ابن الحسن النباهي الأندلسي
38
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
ذلك القهرة لأهل بلده بالحكم من قبله ؛ وكان قد جرى لوالده محمد بن الحسن ، آخر أيام ولايته القضاء بكورة ريّة ، ما هو معروف عند الكثير ، من إعمال الحيلة في غدره ، والإقدام على قتله . فقبل الأمير عند ذلك معاذيره ، وترك سبيله . ثمّ جدّد العزم عليه في الولاية . قال ابن فريد في كتابه : فاستقضي بغرناطة ؛ وكان من أهل النباهة والجلالة . توفّي سنة 473 . وذكره ابن بشكوال في « صلته » . ومن الفقهاء المتأخّرين ، المتقدّمين في العلم والدين ، أبو عبد اللّه محمّد بن عيّاش « 1 » الأنصاريّ ثمّ الخزرجيّ ، أحد أشياخ بلدنا مالقة ، وفريد عصره بها عقلا ، وفضلا ، وورعا ، وزهدا ؛ استدعاه أمير المسلمين أبو الحجّاج يوسف بن إسماعيل بن نصر « 2 » - رحمه اللّه وأرضاه ! - لحضرته ؛ فقلّده بها قضاء الجماعة والخطبة أيّام الجمعة بمسجد حمرائها ؛ فخطب جمعة واحدة ، وأقام رسم القضاء ثلاثة أيّام حسبة ، إذ كان أوّلا قد عزم على تركه ، والخروج عن عهدته ؛ فلم يقبل كسوة ، ولا أخذ جراية ، وأفصح رابع يومه بالاستعفاء عن خطّة القضاء . وكان أعلم قضاة زمانه بالأحكام ، وأحفظهم للمسائل ، وأبصرهم بالنوازل ؛ لكنّه « 3 » - نفعه اللّه بقصده ! - هاب أمر اللّه ، وأثر مع ذلك راحة بدنه ، وخلاص نفسه من تبعاته . وعلم الأمير صدق مقالته ، وصحّة عزيمته ؛ فأعفاه . وارتحل عند ذلك بقيّة يومه إلى بلده ، وتقدّم للخطبة والصلاة بالجامع منه . وتولى ذلك إلى وفاته ، ولم يأخذ عليه مرتبا مدّة حياته . فكان في انقباضه عن الولاية أشبه الناس بموسى بن محمد بن زياد ، إذ ولّاه الأمير عبد اللّه من بني أمية القضاء بقرطبة ، والصلاة معا بأهلها - فصلّى بالناس جمعة واحدة ، واستعفى في الثانية ، والتزم القعود بداره والتقوّت من فائد عقاره .
--> ( 1 ) هو محمد بن محمد بن عياش ، من أهل مالقة ، ولي القضاء في عهد أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل النصري ، أياما ، ثم طلب الإعفاء ، فأسعف . اللمحة البدرية في الدولة النصرية ( ص 104 ) . ( 2 ) هو يوسف بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل ، أحد سلاطين بني نصر بغرناطة ، وترجمته في اللمحة البدرية ( ص 102 - 112 ) . ( 3 ) في الأصل : ( لاكنه » .